علي بن محمد البغدادي الماوردي
179
أدب الدنيا والدين
والخذلان . ومن لم يرغب في السلامة بلى بالشدائد والامتهان . ومن لم يرغب في المعروف بلي بالندامة والخسران . ولعمري ان إخوان الصدق من أنفس الذخائر وأفضل العدد لأنهم سهماء النفوس وأولياء النوائب . وقد قالت الحكماء : رب صديق أودّ من شقيق . وقيل لمعاوية : أيما أحب إليك ؟ قال : صديق يحببني إلى الناس . وقال ابن المعتز : القريب بعداوته بعيد والبعيد بمودّته قريب . وقال الشاعر : لمودّة ممن يحبك مخلصا * خير من الرحم القريب الكاشح وقال آخر : يخونك ذو القربى مرارا وربما * وفي لك عند العهد من لا تناسبه فإذا عزم على اصطفاء الإخوان سبر « 1 » أحوالهم قبل إخائهم وكشف عن أخلاقهم قبل اصطفائهم لما تقدّم من قول الحكماء : اسبر تخبر ولا تبعثه الوحدة على الإقدام قبل الخبرة ولا حسن الظن على الاغترار بالتصنع فإن الملق مصايد العقول والنفاق تدليس الفطن وهما سجيتا المتصنع وليس فيمن يكون النفاق والملق بعض سجاياه خير يرجى ولا صلاح يؤمل ولأجل ذلك قالت الحكماء : أعرف الرجل من فعله لا من كلامه وأعرف محبته من عينه لا من لسانه . وقال خالد بن صفوان : إنما نفقت عند إخواني لأني لم استعمل معهم النفاق ولا قصرت بهم عن الاستحقاق . وقال حماد « 2 » : كم من أخ لك ليس تنكره * ما دمت في دنياك في يسر متصنع لك في مودّته * يلقاك بالترحيب والبشر فإذا عدا والدهر ذو غير * دهر عليك عدا مع الدهر فارفض بإجمال مودّة من * يقلي المقل ويعشق المثري وعليك من حالاه واحدة * في العسر إما كنت واليسر على أن الإنسان موسوم بسيماء من قارب ومنسوب إليه أفاعيل من
--> ( 1 ) سبر : والسبر الاختبار ، يقال : سبر الجرح والبرء وغيره . إذا امتحن عذره . ( 2 ) حماد : على وزن جعفر ، كان ماجنا خليعا طريفا متهما في دينه بالزندقة .